كهف (أهل الكهف) المكتشف فى الرقيم بالأردن (الجزء الثاني)
موعدنا مع بقية قصة أهل الكهف (الجزء الثاني ) للمؤرخ أ.د/محمد حمزة إسماعيل الحداد
تم إكتشاف كهف فى الاردن بمنطقة الرقيم (سحاب حالياً) يسكن بها بدو يطلقون القاف جيم لذلك حرفت كلمه (الرقيم) إلى (الرجيم) وهى ما وردت فى القرآن الكريم "أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم ..." ولكن فى الروايات السريانية ثم القبطية بعد ذلك ذكرت أن (الرقيم) هذا هو اللوح الذى كتبت فيه أسماء الفتية ووضع عند مدخل الكهف بأفسوس، ورأى آخر يقول أن الرقيم هو إسم الجبل والوادى بمنطقة الرجيم (سحاب)، أيضاً بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض قادة فتح الشام الأول كانوا على علم بموضع أهل الكهف، مثل عبادة بن الصامت؛ معاوية بن أبى سفيان؛ عبد الله بن العباس وقالوا أنه فى وادى أيلة (العقبة) وبعضهم قال أنها فى طريق القوافل بين الحجاز وبين الشام، ومنطقة رجيم أو سحاب تقع فعلاً فى منطقة القوافل بين الحجاز والشام على مقربة من البتراء القديمة عاصمة الأنباط.
من الأخطاء أيضاً فى تناول قصة أهل الكهف أنهم ربطوها بالإمبراطورية الرومانية طبقاً للرواية السريانية ولم يربطوها بالممالك العربية التى كانت موجودة ببلاد الشام، لأن الأسطورة التى تحمل إسم (النائمون السبعة - نيام أفسوس السبعة) للساروجى قد حصرت موضع أهل الكهف فى أفسوس وبالتالى أعمت نظر العلماء والمفسرين عن مسرح الأحداث ببلاد الشام خاصةً منطقة القوافل بين الحجاز وبلاد الشام، وكان بها مملكة الأنباط العربية وعاصمتها البتراء التى ما تزال موجودة ومسجلة على قائمة التراث العالمى، قبل سقوط الأنباط سياسياً على يد الرومان سنة 106م ولكنهم لم يسقطوا حضارياً لكن إنضموا تحت لواء الولاية العربية وإتخذ الرومان بصرى عام 105م عاصمة لهم بالشام؛ ومنذ ذلك التاريخ نشآ تقويم بصري؛؛
المملكة الأخرى كانت مملكة الغساسنة العربية من آل جفنة ودرسها فى رسالته المستشرق تيودور نولدكه فى الربع الأول من القرن 20م، هذه المملكة كان أهل مكة وقريش والعرب يطلقون عليها ملوك الشام نشأت سنة 479م أو 502م وظلت موجودة حتى الفتوحات الإسلامية الأولى سنة 636م، كذلك المملكة الاخيرة (المناذرة آواللخمين) آل النعمان نشأت سنة 269م وظلت موجودة أيضاً حتى الفتوحات الإسلامية الاولى 634 - 635م. لذا فلدينا الآن 3 ممالك لم يرد لها ذكر ولا دور فى قصة أهل الكهف لأن كل الأعين كانت مسلطة نحو الرواية السريانية والتى حصرت قصه أهل الكهف فى أفسوس.
هناك أيضاً أماكن أخرى إرتبطت بأهل الكهف طبقاً للروايات الشعبية؛ بعضهم قال سفح جبل قاسيون( الصالحية) بدمشق وهو جبل مقدس يعادل جبل المقطم بمصر ورد عنه الكثير من الروايات والعجائب والكثير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، البعض الآخر ذكر طوروس؛ والمفاجأة أن بعضهم قال غرناطة بالأندلس فى رواية ظهرت فى القرن 6هـ / 12م، بل وصل الأمر أن البعض قال أن موطن أهل الكهف بإسكتلندا أو اليمن، أيضاً وردت (البتراء) فى إحدى الروايات لاسيما وأن إحدى النقوش المكتشفة بالبتراء عليها لفظ (الرقيم)، عثر د/صلاح الدين المنجد على مخطوط فى علم الجغرافيا يرجع للقرن 6هـ مجهول المؤلف أثناء أبحاثه وتحقيقاته لنشر المخطوطات العربية بإسبانيا؛ ذكر هذا المخطوط أن أهل الكهف كانوا بغرناطة فنشر د/صلاح الدين المنجد مقالاً بعنوان "أهل الكهف فى غرناطة ودمشق وبيزنطة".
نعرف جميعاً أن الجبال والكهوف جعلها الله سبحانه وتعالى أكناناً لبنى الإنسان تقيه من حر الصيف وبرد الشتاء، لذلك نجد أن أقدم الأدلة الأثرية كانت فى الجبال منذ عصور ما قبل التاريخ وزودت علم الآثار والنقوش وآثار ما قبل التاريخ بروائع الفنون البدائية التى توضح كيف إستخدم الإنسان الأوائل الرموز الفنية لتوضيح معتقداته الدينية وحياته، من أروع الأمثلة الدالة على ذلك (كهف التاميرا فى إسبانيا - كهف لاسكو فى فرنسا - كهف هضبة تاسيلى بالجزائر) ولدينا هنا ما يعرف بإسم (لاسكو النيل) ويقصد بها مجموعة الكهوف الموجودة بمنطقة جيل العوينات وقارا والجلف الكبير وتلك السلسلة الكبيرة التى تمتد بالصحراء الغربية وحتى الصحراء الليبية بل هى سلسلة تمتد غربا بطول شمال إفريقيا.
وتوصل العلماء لأن فن النقش فى الكهوف يسبق النقش على الصخور بنحو 10 آلاف سنة، إذاً فظاهرة الإختفاء والإحتماء بالكهوف ظاهرة قديمة إرتبطت بالإنسان القديم منذ عصور ما قبل التاريخ، بل وإرتبطت بالكثير من الرسل والأنبياء وحركة الرهبان عندما ظهرت المسيحية بل وبعد ذلك المتصوفة، وإرتبطت أيضاً بالرسول صلى الله عليه وسلم فقبل أن يأتيه الوحى كان يتعبد فى غار حراء ثم إحتماءه بغار ثور عند الهجرة، لذلك فالبعض يقول بأن قصة أهل الكهف جاءت لطمأنه الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها حدثت قبل هجرته بعامين أو ثلاثة.
أما عن سورة الكهف فقد تناول الكثير من المفسرين الأوائل التفسير القرآنى لهذه القصة؛ وكل الكتب والدراسات الحديثة المرتبطة بالقصص القرآنى وقصص الأنبياء مثل كتاب "القصة فى القرآن الكريم" للإمام محمد سيد طنطاوى، وذكر فى خلاصه بحثه عن هذه القصة أن ما لم تثبت صحته عن طريق النقل الصحيح ضربنا صفحاً عنه، وكذلك الإمام محمد متولى الشعراوى حذف الإسرائيليات عند تفسيره لهذه القصة وقال خلاصة رأيه فى هذا الموضوع أن المولى عز وجل قد أبهم قصة أهل الكهف زماناً ومكاناً وعدداً لينتشر خبرها ويزيع فى أرجاء الأرض، وقال أيضاً أن الإبهام هو عين البيان وأن القصص حين يبهم فإنما يدل على تكرار حدوثه.
ومن ضمن الأشياء التى فاتت على الكثيرين أن الآيات الاولى من سورة الكهف كانت بمثابة مقدمات أو مدخل لقصة أهل الكهف، وخاصةً الآيتان رقم 4 ، 5 التى يقول الله سبحانه و تعالى فيهما "وينذر الذين قالوا إتخذ الله ولدا مالهم له من علم ولا لآباءهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا" وفحوى هاتين الآيتين تتحدث عن من نسب لله تعالى ولد، معنى ذلك أن قصة أهل الكهف مرتبطة بفتية عاشوا فى زمن بعد الازمان التى إنتشرت فيها أقوال لديانات معاصرة فحواها أن الله إتخذ ولداً (عزير بن الله) (المسيح بن الله) أى أن القصة لابد أنها ترجع لما بعد القرن الأول الميلادى وكتابة الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل لبولس الرسول، فالأيتان مقدمة مناسبة جداً لتوضيح الفترة الزمنية لقصة أهل الكهف وربط الاحداث التاريخية بدءاً من ظهور المسيحية، ولماذا ركزت الرواية السريانية بأن قصه أهل الكهف مرتبطة بالمسيحيين فى فترة الإضطهاد الرومانى، وهل الإضطهاد الرومانى كانت له علاقة بقصة الفتية؟
فالرواية السريانية ومن بعدها القبطية ربطت القصة بالإمبراطور ديكيوس الذى حكم من (249 - 251م) وقتل على يد القوط وهو أول من أصدر مرسوم بإضطهاد عام للمسيحيين، هذه هى الفترة التى قالت بعض الآراء بأن الفتية قد إختفوا فيها، وأن الله تعالى قد بعثهم فى عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الثانى (408 - 450م) خاصةً أن العام 38 من حكمه حدث جدل كبير حول عملية القيامة من الموت وبعث الموتى هل هى بالروح فقط أم بالجسد فقط أم بهما معاً؟ إذاً فالمصادر السريانية سواء كانت نثراً أو شعراً إبتداء من سنة 518م تحصر حياة أهل الكهف فى الفترة من 249 إلي 450م.
نأخذ فقط دلالات تاريخية إرتبطت بواقعة ورد ذكرها فى القرآن الكريم بناء على سؤال من أحبار اليهود، فالثالوث (الآب - الإبن - الروح القدس) وهى الأقانيم الثلاثة التى أضيف إليها بعد ذلك (إله واحد آمين) وفق المعتقد المسيحى، وكان ذلك مسار جدل كبير وعقد العديد من المجامع المسكونية على مدار القرن الرابع والنصف الاول من القرن الخامس الميلادى، وعقد لذلك عدد كبير من المجامع التى بحثت عن مكانة الإقنوم الثانى (الإبن) فى الثالوث ثم طبيعة مريم العذراء البتول هل هي أم الإنسان أم هي أم الإله، بل وطبيعة المسيح نفسه هل هو ذوطبيعه واحده إلاهيه أو ذوطبيعتين إلاهيه وبشرية وغير ذلك الكثير من الأمور اللاهوتية الفلسفية.
"ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو إضطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً * وكذلك بعثناهم ليتسائلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم" وهنا عدة نقاط لها دلالات هامة لم يلتفت إليها الكثيرين وسوف نربطها بالكثير من القرائن بمخطوطات البحر الميت.
والى اللقاء في الحلقة التالية

إرسال تعليق